“أكسيدون”.. حادث على الشاشة وآخر عند المُشاهد!

"أكسيدون".. حادث على الشاشة

صابر بن عامر

انتهت قناة “نسمة الجديدة” الخاصة، مساء أمس الثلاثاء 3 مارس، من عرض الحلقة الأخيرة من مسلسل “أكسيدون” (حادث) المكوّن من 13 حلقة فقط، معلنا مخرجه ومؤلفه مطيع الدريدي في أولى تجاربه الدرامية عن جزء ثان مرتقب في الموسم الرمضاني القادم، والحال أنّ النهاية بدت مُكتملة لا تشي بمفاجآت مُنتظرة.

عمل بشّر في حلقاته الخمس الأولى بتراجيديا إنسانية موجعة، طالت “يوسف” (نضال السعدي) الذي تعرّضت ابنته ووحيدته “كنزة” وأمها إلى حادث مرور مروّع من قبل الشاب الطائش والابن العاق والمدلّل “كريم” (خليل العبدولي)، أودت بحياتهما، ليتعرّض لظلم جائر في سعيه لإثبات حقّ ابنته وزوجته القانوني.. ليصطدم بمافيا من الفساد والاستبداد، جعلته يُفكّر في الانتقام، وهو ما كشفته الحلقة الأخيرة من العمل.

حلقة انتهت من حيث بدأت، انتقام “يوسف” من “جميل” (أدّى الدور ببراعة شوقي بوقلية) شاهد الزور أو بالأحرى كبش الفداء المعوّض للقاتل الحقيقي “كريم” نظير حفنة من المال، وذلك بإعدامه شنقا في السجن الذي جمعهما بعد الحادث الحدث الذي قلب حياة “يوسف” رأسا على عقب.

هو ذاته تمكّن في آخر الحلقة من الانتقام من الأب “مرابط” (محمد علي بن جمعة) وابنه “كريم” بعد أن قادهما إلى الموت حرقا في سيارة قادها بنفسه، ليرمي بهما من علوّ شاهق، وينجو هو.

وما بين بداية العمل المحفّزة على تتبّع مسار “يوسف” في استرداد حقّ ابنته وزوجته وانتهائه بالانتقام ممّن تسبّبوا في آلامه، تاهت بقية الحلقات في اللامنطق التراتبي للأحداث وعلاقتها بتطوّر الشخصيات، علاوة على الاستعراض الإخراجي المفتعل لبعض مشاهد الأكشن المسقطة، بداع أو دونه.

ومن بين غرائب النسق التصاعدي للأحداث وتركيبة الشخصيات اللّامنطقية، ذاك التحوّل المريب لشخصية صديقة “كريم” التي وشت بمكانه لـ”يوسف” وهي التي تعلم جيدا أنّه يبحث عنه لقتله، ثمّ تُقدم هي نفسها على طعنه؟ ثمّ من أدراها أنّه الفاعل؟

أيضا، “جميل” توفّي بطريقة مسترابة في السجن، شنقا، ولم يُفتح أيّ تحقيق لا داخلي ولا خارجي في حيثيات الوفاة، سيما أنّ القاصي والداني يعلم حجم المُشكلة القائمة بين سجينين وضعا بقدرة مخرج ومؤلف “سريالي” في مكان واحد.. هكذا؟

أما مشاهد الأكشن المسقطة في العمل فعديدة وغريبة حدّ الإبهام، أبرزها مشهد سرقة البنك الذي أتى أقرب إلى الدراما البوليوودية الموغلة في اللّامعقول، بأقنعة مُستلهمة من عوالم كارتونية وضحكات هستيرية من قبل “يوسف” خاصة، لا تتفّق وبناء شخصيته الدرامية الساعية إلى الانتقام، دون شيء سواه، فلم أقحم نفسه في عملية سطو محفوفة بالمخاطر، وهو “الشريف” الذي رفض تعويضا عن وفاة ابنته وزوجته بقيمة 300 ألف دينار؟

وهذا غيض من فيض “فانتازيا” وما هي بـ”فانتازيا” مطيع الدريدي المخرج والمؤلف لـ”أكسيدون” الذي جمع في تجربته الإخراجية الأولى للدراما التونسية، بين المبالغات البوليوودية والطروحات الهوليوودية الموغلة في الخيال لسرد قصة انتقام “سريالية”، انطلقت بالتعاطف مع الضحية لتنتهي إلى نبذها.

صحيح، أنّ المسلسل طرح بين ثنايا أحداثه، سلوكيات مسكوت عنها نخرت المجتمع التونسي من الداخل، سيما الطبقة المخملية منها، كالمخدرات، وعقوق الوالدين، والفساد، والتلاعب بالقانون والإفلات من العقاب، وإكراهات مراكز التجميل ومواقع التواصل الاجتماعي على الترابط الأسري وغيرها من المشكلات المنذرة بالانهيار المجتمعي الشامل إن لم نتصدّ لأسبابها في أقرب وقت ممُكن.

وصحيح أيضا، أنّ العمل قدّم لنا طاقات تمثيلية جديدة وأخرى مكرّسة أتقنت تجسيد أدوارها باقتدار، ولو بتفاوت نسبي، على غرار خليل العبدولي في دور الابن العاق “كريم”، ومحمد علي بن جمعة في دور الأب والطبيب الفاسد “مرابط”، وأسامة كوشكار الذي جسّد شخصية الزوج الخائن والابن العاق بكلّ العفن المقزّز، وأيمن بن حميدة في دور المحامي الفاسد حدّ القرف.. إلّا أنّ العمل أتى من حيث لا يعلم، أو ربما وهو يعلم، مثمنا لثقافة الاستسهال والتواكل والربح السريع والإفلات من العقاب واسترداد الحقوق بالقوة..

وهي موجة من العنف الدرامي ما انفكّت تتفاقم في تونس ما بعد ثورة 2011، وقد حان زمن أفولها كي لا تغدو الدراما التونسية موسومة بدراما الفساد والإفساد المجتمعي التي لا تقدّم ولا تُؤخر، بل وتُؤخر، حتما، وتُهدّد، قطعا، السلم الأهلي.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *