أفاد تقرير حديث صادر عن أفريكا إنتليجنس (Africa Intelligence) أن الدولة التونسية تواجه أزمة متفاقمة في قطاعها العام، إذ تعاني عشرات المؤسسات العمومية—بدءا من الناقلة الوطنية وصولا إلى مجمعات الحبوب—من اختلالات مالية وإدارية هيكلية، مما يضع هذه المؤسسات في مواجهة مباشرة بين ضغوط الإصلاحات الاقتصادية الدولية وبين التوجهات الرسمية المتمسكة بالسيادة الاقتصادية.
المأزق المالي
تعتمد العديد من الشركات العمومية في تونس -حسب تحليل “أفريكا إنتليجنس”- بشكل كلي على “الدعم الحكومي” أو القروض المضمونة من الدولة لتغطية خسائرها التشغيلية.
أهم الأخبار الآن:
ترجع “أفريكا إنتليجنس” تفاقم الأزمات المالية للناقلة الوطنية إلى تراكم عقود من سوء الإدارة، والإفراط في توسيع الأسطول بما يفوق الحاجة التشغيلية والقدرات المالية للشركة، إضافة إلى تداعيات الاضطرابات الجيوسياسية على قطاع السياحة، وهو ما أدى إلى تراكم مديونيات قياسية.
وفي سياق متصل، يشير التقرير إلى أن مؤسسات التصنيع الغذائي، مثل “تونسية للّبن”، تعاني من مأزق مركب يجمع بين تبعات الدعم الحكومي للأسعار والارتفاع العالمي في تكاليف المواد الأولية؛ وهي معادلة تضع هذه الشركات في حلقة مفرغة من العجز، تحدّ من قدرتها على تحديث خطوط إنتاجها أو الصمود في وجه المنافسة في الأسواق الحرة.
“السيادة” مقابل الكفاءة الاقتصادية
تشير “أفريكا إنتليجنس” إلى أن الخطاب الرسمي للرئيس قيس سعيد يتبنى مقاربة جذرية تجاه المؤسسات العمومية، رافضا تماما خيار الخصخصة الذي يصفه بـ”التفريط في مقدرات الوطن”. وفي المقابل، تتبنى الدولة خيار “إعادة الهيكلة” كمسار سيادي؛ إلا أن هذا الطرح يصطدم بواقع تنفيذي معقد، إذ تتطلب هذه العملية استثمارات طائلة وإصلاحات إدارية حازمة، وهي مقومات تعجز الدولة عن توفيرها في ظل أزمات السيولة والبيروقراطية المترسخة.
دور النقابات العمالية والضغط الاجتماعي
وترى أفريكا إنتليجنس أن دور الاتحاد العام التونسي للشغل يعد ركيزة أساسية لفهم تعثر إصلاح الشركات العمومية، باعتبارها المستوعب الأكبر للوظائف في الدولة. فأي توجه نحو إعادة الهيكلة—لاسيما إذا تضمن تقليصا في القوى العاملة أو مراجعة لهياكل الأجور—يصطدم بمعارضة نقابية حازمة، مما يجعل من هذه الملفات تحديا اجتماعيا معقدا.
و يرى الاتحاد أن “الخصخصة أو الإصلاحات الجذرية تمس حقوق العمال وتزيد هشاشة الطبقة الوسطى”، مما يجعل من أي تحرك إصلاحي “مغامرة سياسية” تتجنبها الحكومات المتعاقبة خوفا من الاضطرابات الاجتماعية، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى استمرار الوضع الراهن وتآكل الأصول بمرور الوقت.
ضعف الحوكمة والبيروقراطية القاتلة
أكد التقرير أن تراجع إنتاجية الشركات العمومية يعود بالأساس إلى تضارب الصلاحيات بين الوزارات الوصية ومجالس إدارات تُنتقى على أساس الولاءات السياسية لا الكفاءة المهنية. وقد أدى هذا الخلل الهيكلي، مقترنا بغياب الشفافية، إلى عزل هذه الكيانات عن آليات السوق، مما أفقدها القدرة على مواكبة المتغيرات التكنولوجية والتنافسية.
وتشير “أفريكا إنتليجنس” إلى أن أي مبادرات إنقاذ تفتقر إلى إرساء نظام حوكمة مستقل—يربط الأجور بالإنتاجية ويُحيد القرارات عن الضغوط السياسية—ستظل مجرد “مسكنات” مالية لا ترقى إلى معالجة الجذور الحقيقية للأزمة.
أفق الإصلاح
ووفقا لأفريكا إنتليجنس تجد تونس نفسها محاصرة بين مطالب المانحين الدوليين، مثل صندوق النقد الدولي، الذي يربط أي تمويل جديد بإصلاحات هيكلية تشمل المؤسسات العمومية، وبين واقع اجتماعي وسياسي لا يقبل الإملاءات الخارجية.
وأوضح التقرير أن بقاء هذه الشركات في حالة “الإنعاش الدائم” يستهلك جزءا كبيرا من ميزانية الدولة التي كان من الممكن توجيهها نحو الاستثمار في البنية التحتية أو قطاعات التكنولوجيا الناشئة.
وفي إطار قراءتها للمشهد الاقتصادي التونسي، حثت ‘أفريكا إنتليجنس’ صناع القرار في تونس على ضرورة التحرر من حالة الجمود، مؤكدة أن الخروج من هذا المأزق يتطلب “توافقا وطنيا” يجمع بين الحفاظ على الدور الاجتماعي للدولة وبين تبني معايير اقتصادية صارمة تضمن استمرارية هذه المؤسسات في عالم يتسم بالتنافسية الشرسة.


أضف تعليقا