لا تبدو الصعوبات المالية الخانقة التي التي يعيشها الاتحاد العام التونسي للشغل، والتي ترجمتها احتجاجات موظفيه وأعوانه، للمطالبة بمستحقاتهم المالية المتأخرة، حالة استثنائية، بقدر ما تعكس صورة عن واقع الأزمات التي تردى إليها عدد من المنظمات الوطنية الكبرى.
فبالتوازي مع “الزوابع الداخلية” التي ضربت البيت النقابي، وبلغت ذروتها قبيل مؤتمر مارس الماضي، تعيش منظمات أخرى وضعا مشابها تنظيميا وماليا.
أهم الأخبار الآن:
ولعل أقرب مثال في هذا الصدد، هو ما يشهده الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري، من “صراع على الشرعية”، على مستوى قيادة المنظمة.
وكان عضو المكتب التنفيذي لاتحاد الفلاحين محمد بن خليفة، قد أكد في تصريح إعلامي، أن المنظمة تعاني من إشكالات داخلية على مستوى الهياكل القيادية، و”خروقات للنظام الأساسي والنظام الداخلي للمنظمة”.
أزمة هيكلية تنضاف إلى وضع مالي متدهور، تسبب في عجز الاتحاد الفلاحي، عن سداد أجور موظفيه لعدة أشهر.
مشهد تكررت بعض تفاصيله، وإن بمستويات مختلفة ودرجات متباينة، على مستوى منظمات أخرى، ما يحرك تساؤلات مشرعة عما يحدث في المطبخ الداخلي لكبرى المنظمات الوطنية.
أزمات داخلية وهيكلية، وموازنات مالية تئن تحت وقع العجز والاستنزاف، في ظل غياب التمويل العمومي، وانقسام القواعد، وتهميش من قبل السلطة، ما يزيد حدة المخاوف من قدرتها على الصمود والاستمرار.
أزمات مركبة واستهداف الأجسام الوسيطة
في قراءته لأبعاد الأزمات التي تواجهها بعض المنظمات الوطنية، يرى الناشط السياسي والقيادي بحزب العمال عمار عمروسية، أنها تنقسم بين عوامل داخلية تتعلق بالتسيير الديمقراطي، وأخرى مرتبطة بتهميش الأجسام الوسيطة، من قبل السلطة.
ويصف عمار عمروسية في تصريح لبوابة تونس، هذه الأزمات التي يواجهها اتحاد الشغل ومنظمة الفلاحين بـ “المركبة”، مضيفا أن المنظمات الوطنية الكبرى تعيش “أوضاعا عسيرة بدرجات متفاوتة”.
ويشير عمروسية إلى أن هذه المنظمات “تدفع ثمن الهجوم على الأجسام الوسيطة من منظمات وأحزاب ومجتمع مدني”.
واستشهد في هذا السياق بعجز اتحاد الشغل، عن سداد مستحقات موظفيه، والتي تعد نتيجة مباشرة لوقف آلية الاقتطاع المباشر من جانب الحكومة، ما حرم الاتحاد من موارد مالية مهمة.
وذكر في الإطار ذاته، بغياب التمويل العمومي لاتحاد الفلاحين، مما عمق مشكلاته المادية، بعد أن عجز بدوره عن صرف أجور الموظفين والعمال بمقراته المركزية والجهوية.
ولفت عمروسية إلى أهمية الدور الذي لعبته هذه المنظمات تاريخيا، حيث كانت بمثابة القاعدة الطبقية والاجتماعية لمنظومات الحكم المتعاقبة، منذ الاستقلال.
وأضاف: “السلطة الحالية تعتمد فقط على الأجهزة الصلبة، وبالتالي فهذه المنظمات تعيش مصاعب كبرى، بل أكثر من ذلك، كأنها في غرفة إنعاش”.
وعلى الرغم من أن قيادة هذه المنظمات دعمت مسار 25 جويلية 2021، فإن رئاسة الجمهورية وكذلك الحكومة، لم تتخذ أي إجراءات لفائدتهما، لمعالجة الصعوبات المالية التي تواجهها، بل قامت بوقف الاقتطاع المباشر من أجور المنخرطين بالنسبة إلى اتحاد الشغل، ولم تتفاعل مع دعوات تدخل الدولة لإنقاذ المنظمة الفلاحية من أزمتها المالية المتفاقمة منذ أشهر.
ويعلق القيادي بحزب العمال حول هذه النقطة بالقول، إن المنظومة السياسية الحاكمة تعتمد موقفا مفاده أن “السياسة تموت والتنظم والمنظمات تندثر”، خصوصا في ظل “المسافة النقدية التي اتخذها اتحاد الشغل من مسار 25 جويلية”، وفق تعبيره.
صراعات وأزمات داخلية
وإجابة عن سؤال بوابة تونس، بشأن مستقبل هذه المنظمات، يتفق عمار عمروسية في التأكيد أن الأزمات التنظيمية والمالية باتت تهدد قدرة المنظمات الوطنية على الاستمرار، وهو ما يشكل خسارة فادحة لتونس.
وأردف: “استمرارية هذه المنظمات أصبحت على المحك، والبلاد هي الخاسر الأكبر، سواء على المستوى الاقتصادي ومن ناحية السلم الاجتماعية”.
ويلفت عمروسية إلى أن مصير اتحاد الشغل واتحاد الفلاحين، أصبح اليوم بيد منخرطيهما.
على مستوى آخر، يقر المتحدث بتأثير الأزمات الهيكلية الداخلية، والخلافات المتعلقة بالقيادة والتسيير، في مزيد تعكير أوضاع المنظمتين المذكورتين، وخاصة “منظمة حشاد”، نتيجة الضرر الذي تسببت به البيروقراطية النقابية.
واستدرك: “التخريب الممنهج الذي مارسته البيروقراطية النقابية، ودورها في ترسيخ عقلية نقابوية انتهازية، ومنهج تسيير لاديمقراطي، تدفع ثمنه المنظمة”.
على الطرف المقابل، يعرف الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري حالة من عدم الاستقرار التنظيمي، والصراعات على القيادة، بعد الإطاحة بالرئيس الأسبق عبد المجيد الزار، ما فاقم من حدة الانقسامات داخل المكتب التنفيذي.
ويقر المتحدث بأن هذه الخلافات أثرت في أداء اتحاد الفلاحين، في ظل ارتباطها بتجاذبات داخلية مركبة تتعلق بالتسيير والشفافية، وإدارة الأموال والعمل بصفة عامة.
تحذير من التصحر
ورغم هذه الأزمات المحتدمة، يعبر القيادي بحزب العمال عن قناعة بأن هذه المنظمات ذات التاريخ العريق، لن ينال منها “التضييق والكبوات”.
ويحذر عمار عمروسية من حالة من التصحر في المشهد العام، نتيجة استهداف المنظمات وغيرها من الأجسام الوسيطة.
وأتبع: “الشعبوية التي لا تملك تاريخا، لا على مستوى النضال الوطني أو الديمقراطي، كما أنها لا تستشعر مخاطر ضرب الأجسام الوسيطة، من منظمات وجمعيات وأحزاب”.
ويقدر عمروسية أنه في صورة انفجار الأوضاع اجتماعيا واقتصاديا، ستجد السلطة نفسها “دون قاعدة طبقية”، مذكرا بأن الرئيسين بورقيبة وبن علي، اعتمدا في الحكم على “قاعدة طبقية قوامها منظمات مثل الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة، واتحاد الفلاحين، والبيروقراطية العمالية الممثلة في المركزية النقابية حينها”.


أضف تعليقا