عبدالسلام الزبيدي
“انْحِبّْهَا تُوصل للرئيس”، بهذه العبارات الموجزة صرخت سيدة سبعينية وهي تتلظّى بانعكاس أشعة الشمس ذات 45 درجة. لم تجد من ملجَإٍ لإسماع صوتها وإبلاغ رسالتها إلاّ أعلى هرم الوظيفة التنفيذية. فلا فاعلية اليوم في تقديرها، ولا قدرة للعمدة أو المعتمد أو الوالي أو الوزير أو رئيس مدير عام شركة استغلال وتوزيع المياه على إرواء عطشها…
العجوز القاطنة في أحد أرياف نبّر بولاية الكاف شمال غرب البلاد، تشكو حالها وحال زوجها المريض، وقبل ذلك حال خرفانها. الكلّ سواء في العطش. لقد انتهت حلول السُلط بالمعجم الدستوري القديم والوظائف بالدستور الجاري به العمل منذ أربع سنوات، ولم يبق إلاّ حلّ واحد قبل رفع اليد إلى السماء تعبيرا عن العجز أو اليأس. الحلّ والعقد في ذهنها بيد من خطّ بيده الدستور بعد أن حكم بأنّ من سبقه عاجز عن توفير الخدمات للمواطنين وحفظ كرامتهم، متصديّا لمهمة تنزيل شعار “الشعب يريد” على أرض الواقع.
الدستور والوعود الرئاسية
رغم تجاوز سنّها الخمسة والأربعين، صدعت “الشابة” بحقائق كشفتها ملامح وجهها قبل نبرات صوتها. لم تطلب إلاّ ما خوّله لها الدستور أوّلا والقانون ثانيا. ففي توطئة دستور 2022 شدّد رئيس الجمهورية قيس سعيّد في المشروع الذي تحوّل إلى نصّ ملزم على أنّه “لا سلم اجتماعي دون عدل، ولا كرامة للإنسان دون حريّة حقيقية”. أمّا الفصل السادس والأربعون فارتقى بالعمل إلى مستوى الحق لكلّ مواطن ومواطنة في ظروف لائقة وبأجر عادل، وألْزَم الدولة باتّخاذ التدابير الضرورية لضمانه…
لم تكتف “شابة العقد الخامس” بالتذكير بالدستور الذي خطّه رئيس الدولة بيمينه، لتستحضر قانونا أمضاه وأذن بنشره في الرائد الرسمي، وهو القائل مرارا بأنّه لا معنى لتفعيل القانون لأنّ القوانين تغدو مفعلّة حال استكمال إجراءات التشريع والنشر.
ولم يكن النداء موجّها في جوهره إلى رئيسة الحكومة وطاقم وزرائها إلاّ على سبيل الوساطة والتمثيل. فالمُخَاطَب هو رئيس الجمهورية باعتبار وعده الدستوري والقانوني لمن طالت بطالتهم بأن يفتح لهم أبواب التشغيل.
الشهائد العلمية بين الإجازة والدكتوراه، وسنوات البطالة لامست العقدين عند البعض، وفرص العمل لا ترتقي إلى الوعود الدستورية والنصوص القانونية التي تمّت صياغتها في زمن “تصحيح المسار” بتشريع نواب ما بعد 25 جويلية وإمضاء صانع 25 جويلية 2021 وكاتب الدستور ورئيس وظيفة الوظائف أي السلطة التنفيذية وفق عبارات “دستور الرجوع إلى الوراء” أي دستور 2014.
في البحث عن “الكرامة الكروية”
شعر التونسيون بإهانة لم يشعر بها كثيرون عند غلق قوس الانتقال الديمقراطي والتضييق على الحريات السياسية والإعلامية والنقابية. انهزم المنتخب التونسي لكرة القدم ثلاثًا، ممّا جعله في المرتبة قبل الأخيرة بحساب الأهداف المقبولة في الدور الأوّل، وكان المنتخب الوحيد من بين المنتخبات الإفريقية العشرة الذي جرّ أذيال الخيبة ولم يُدرك الدور الثاني.
تعالت الأصوات بالمحاسبة والمعاقبة والثأر للكرامة ممّن تسبّب في خذلان “الأمة التونسية” بالتعبير البورقيبي. ومن يقدر على تحقيق المرام إلاّ رئيس الدولة الذي أوصى اللاعبين قبل شدّ الرحال بأن يهتموا بما سيكتبه التاريخ لا بما ستكتبه السبورة اللامعة. وبالرغم من أنّ السبورة اللامعة صفعتنا بذِكر 12 هدفا مقبولا لندخل التاريخ باعتبارنا ضمن الأسوإ عالميا، فإنّ لا ملجأ عند لفيف من “الإعلاميين” ومن والاهم من الموالاة إلاّ تفويض الأمر لصاحب الصلاحيات الدستورية التي لم تنبغ لأحد من قبله، فالقِبْلة لن تكون إلاّ رئيس الجمهورية.
تتكرّر النداءات ذاتها في كلّ احتجاج اجتماعي أو مهني. ويغرف المواطنون من الإناء ذاته، سواء كانوا من المشرّعين أو لفيف من الخبراء والإعلاميين بغضّ النظر عن انطباق الصفة على الموصوف. كلّ الأنظار تتّجه صوب رئيس الدولة باعتباره المنقذ الأوحد والشخصية القادرة على الإصلاح والترميم والتنفيذ والقطع مع الخيبات والاستشراف والنهوض بالبلاد نحو العلوّ الشاهق الذي لم يُسجّل له التاريخ مثيلا.
في الحصاد الدستوري
لم يخطئ عموم المستغيثين الوجهة، فقِبْلتُهم صحيحة لأكثر من اعتبار وسبب. لقد اختار رئيس الدولة قيّس سعيّد نظاما رئاسويا منح خلاله لساكن قرطاج (الرئيس) الصلاحية الحصرية لرسم السياسات وضبط التوجهات والخيارات. وأسند لرئيس الوظيفة التنفيذية (أي رئيس الجمهورية) حقّ تعيين رئيس الحكومة وعزله دون استشارة مسبقة ولا تصويت برلماني، أمّا عن الوزراء والوظائف العليا في الدولة فتكفي بلاغات الفيسبوك المشفوعة بالنشر في الرائد الرسمي للبلاد التونسية للتعيين والعزل.
مهمّة رئيس (ة) الحكومة تنحصر في النيابة والإشراف والتنسيق والتنفيذ، أمّا السياسات فهي من صنع رئيس الدولة ممّا حوّل الحكومة رئيسًا وأعضاء إلى موجودين بغيرهم لا بأنفسهم، إنّهم ظلّ لا فاعلية حقيقية لهم.
الدستور نفسه وضع الحكومة في موضع المحاسبة عند الفشل، دون الرجوع إلى من عيّنهم أو من رسم لهم السياسات وضبط لهم الخيارات. وهو ما أدّى إلى إنزال الوزراء ومَن دونهم إلى درك “الموظفين” لا القادة، إلى منزلة “المساعدين” لا المشرفين والمحفّزين.
ونظرا إلى إدراك عموم المواطنين بعمق طبيعة النظام السياسي الذي تم إرساؤه منذ المصادقة على الدستور قبل أربع سنوات، فإنّهم يمّموا وجوههم صوب المسؤول الأوّل على رسم السياسات وتعيين الحكومات.
في المدّة الأولى بعد إجراءات 25 جويلية 2021 وكذلك إثر المصادقة على الدستور، منح عموم التونسيين فترة من السماح للنظام والمنظومة معلّقين كل الخيبات على من سبق. أمّا الآن فقد جاء زمن حصاد ما تمّت زراعته. ومن يزرع النظام الرئاسوي يحصد عبء مطالب الشعب في الكرامة والشغل والحرية.



أضف تعليقا