ثقافة

أحلام مستغانمي الروائية الجزائرية التي “دوّخت” نزار قباني

في مثل هذا اليوم 13 أفريل/ نيسان من العام 1953 ولدت بالعاصمة تونس الكاتبة والروائية الجزائرية أحلام مستغانمي،  وكان والدها محمد الشريف مطلوبا لدى السلطات الفرنسية بسبب مشاركته في حرب التحرير الجزائرية، فاضطرّ إلى الاستقرار في تونس مع عائلته المصغّرة.

معتقلو 25 جويلية

وفي العام 1962 عادت عائلة مستغانمي إلى الجزائر، وكان لوالد أحلام دور كبير في إرساء أولحكومة جزائرية حرة، حينها ارتادت الصبية أول مدرسة عربية في الجزائر، ومن ثمّ درست في “ثانوية عائشة أم المؤمنين” وتخرّجت عام 1971، إذ كانت من أوائل التلاميذ في المدارس العربية الجديدة في الجزائر، وهو ما فتح لها الأبواب لتنمية قدرتها على الكتابة والتعبير عن نفسها بحرية باستخدام لغة الضاد.

عندما لم يعد بمقدور والدها أن يؤمن قوت عائلته، قرّرت أن تعتني بها، ولكن والدها رفض السماح لها بالعمل وهي في ربيعها السابع عشر، طالبا منها دراسة اللغة العربية، وهو الشيء الذي حارب من أجله. ولكنها بطريقة ما استطاعت القيام بالأمرين معا.

ابنة الألم والأمل

سُلطت عليها الأضواء في البداية بسبب شعرها العربي الجريء، والذي كان حتى ذلك الحين مقتصرا على قضايا الرجال. ولذلك، شكّلت كتاباتها الجريئة صدمة كبيرة في مجتمع الكتّاب الجزائريين.

أُجبرت أحلام لاحقا على إكمال دراستها خارج الجزائر، وبعدها كتبت أولى رواياتها “ذاكرة الجسد” (1993) التي حظيت فورا بمرتبة ضمن قائمة الكتب الأكثر مبيعا في العالم العربي، حالها حال رواياتهاالأربع اللاحقة. ويرجع الاهتمام الكبير برواياتها إلى خوضها في مأساة الإنسان وأحلامه البائسة.

عملت أحلام في بداياتها بالإذاعة الوطنية الجزائرية، ممّا خلق لها شهرة كشاعرة، إذ لاقى برنامجها “همسات” استحسانا كبيرا من قبل المستمعين.

في سبعينات القرن الماضي انتقلت أحلام إلى فرنسا، حيث تزوّجت من صحافي لبناني لتستقرّ في بيروت، وفي الثمانينات نالت شهادة الدكتوراه من جامعة السوربون.

أُعتمدت رواياتها في المناهج الدراسيّة لجامعات ومدارس ثانوية عدّة في العالم العربي، كما في كبرى الجامعات الأوروبية والأمريكية. واعتمدت وزارة التربية الفرنسية رواية “ذاكرة الجسد” التي نالت عنها جائزة نجيب محفوظ للعام 1998 في امتحانات البكالوريا الفرنسيّة لعام 2003، والتي تُجرىَ في خمسة عشر بلدا يختار فيها الطلّاب اللغة العربية كلغة ثانية. وبمبادرة من اليونسكو، طُبعت مُجمل أعمالها على طريقة براي، لتكون في متناول المكفوفين من القراء.

في العام 2006 اختارتها مجلة “فوربيس” واحدة من العشر نساء الأكثر تأثيرا في العالم العربي، والأولى في مجال الأدب والكاتبة العربية التي حقّقت كتبها أعلى نسبة مبيعات في العالم العربي.

وفي العام 2016 اختارتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم “اليونسكو” لتصبح فنانة اليونسكو من أجل السلام وحاملة رسالة المنظمة من أجل السلام لمدة عامين، باعتبارها إحدى الكاتبات العربيات الأكثر تأثيرا، ومؤلفاتها من بين الأعمال الأكثر رواجا في العالم.

قال الشاعر السوري الراحل نزار قباني عن روايتها الأولى “ذاكرة الجسد” وعن الكاتبة بشكل عام: “روايتها دوّختني… وأنا نادرا ما أدوخ أمام رواية من الروايات، وسبب الدوخة أن النص الذي قرأته يشبهني إلى درجة التطابق، فهو مجنون ومتوتر واقتحامي ومتوحش وإنساني وشهواني وخارج عنالقانون مثلي. ولو أن أحدا طلب مني أن أوقع اسمي تحت هذه الرواية الاستثنائية المغتسلة بأمطار الشعر… لما تردّدت لحظة واحدة”.

وتابع: “الرواية قصيدة مكتوبة على كل البحور بحر الحب وبحر الجنس وبحر الأيديولوجيا وبحر الثورة الجزائرية بمناضليها، ومرتزقيها وأبطالها وقاتليها وسارقيها، هذه الرواية لا تختصر “ذاكرة جسد” فحسب، ولكنها تختصر تاريخ الوجع الجزائري والحزن الجزائري والجاهلية الجزائرية التي آن لها أن تنتهي…”.

واسترسل شاعر الحب والمرأة: ” عندما قلتُ لصديق العمر سهيل إدريس رأيي في رواية أحلام، قال لي: لا ترفع صوتك عاليا… لأن أحلام إذا سمعت كلامك الجميل عنها فسوف تجنّ… فأجبته: دعها تُجن… لأن الأعمال الإبداعية الكبرى لا يكتبها إلاّ مجانين”.

أهم محطاتها الإبداعية

في العام 1993 انتقلت أحلام إلى لبنان، حيث نشرت روايتها الأولى “ذاكرة الجسد”، والتي تضمّنت ما كتبته أثناء الفترة التي عاشتها في باريس، وقد بيع من هذه الرواية على مدار السنوات اللاحقة أكثر من 1.2 مليون نسخة.

كذلك دخلت الرواية في قائمة أهم مائة رواية عربية، كما عمل المخرج السوري نجدت إسماعيل أنزور على تحويلها إلى عمل تلفزيوني من بطولة الممثل السوري جمال سليمان والتونسي ظافر العابدين والعراقي جواد الشكرجي والجزائرية أمل بوشوشة وآخرين.

في العام 1997 نشرت رواية “فوضى الحواس” التي تعتبر بمثابة تتمة لرواية “ذاكرة الجسد”، وبعدها بعام حصلت على جائزة نجيب محفوظ للأدب العربي.

في العام 2003 نشرت رواية “عابر سرير”، وهو الكتاب الأخير ضمن الثلاثية، وقد أعيد طبعها أكثر من عشرين مرة.

في العام 2009 قام حاكم بيروت بتقديم درع بيروت إليها أمام جمهور مؤلف من حوالي 1500 شخص، وفي نهاية العام ذاته، نشرت أحلام كتابها “نسيان. كم”.

وفي العام 2012 باعت دور النشر أكثر من مائتي ألف نسخة من روايتها الخامسة “الأسود يليق بك”، وهي تعدّ من أشهر رواياتها وأفضلها، إذ تخوض فيها أحلام في صراعات النفس البشرية وأحلامها.

وفي العام 2018 أصدرت كتابها السادس “شهيا كالفراق” الذي تتحدّث فيه عن نفسها مسترجعةرواياتها السابقة. ومن خلال قصة رجل لوّعه الفراق وأفقده ثقته في الحب تأخذ الكاتبة دور البطولة، وتنسج أحاديث مع الرجل الغامض الذي يخاطبها بكلمات ليست سوى كلماتها.

أما في الشعر فأصدرت في العام 1973 ديوان “على مرفأ الأيام”، ثم “كتابة في لحظة عُري” (1976)، مرورا بـ”أكاذيب سمكة (1993) و”قلوبهم معنا وقنابلهم علينا” (2009) وصولا إلى “عليك اللهفة” في العام 2014.

وتتضمّن قائمة الجوائز التي حازتها أحلام مستغانمي: جائزة نجيب محفوظ للأدب عام 1998 عن روايتها الأولى “ذاكرة الجسد”، وميدالية الرواد اللبنانيين تكريما لها على مجمل أعمالها، وميدالية الشرف التي قلدها إياها الرئيس الجزائري الراحل عبد العزيز بوتفليقة عام 2006. كما منحها مركز دراسات المرأة العربية في باريس ودبي لقب أكثر النساء العرب تميّزا لعام 2006. وقد ترجمت مؤلفاتها ورواياتها إلى عدة لغات، كما أدخلت في مناهج المدارس الثانوية والجامعية حول العالم.

وبالإضافة إلى كل ما سبق، عملت مستغانمي أستاذة زائرة في عدد من الجامعات العالمية مثل جامعة بيروت ومونبيليه وليون والسوربون، حيث ألقت محاضراتها أمام مئات الطلبة.