عرب

أحدثت منعطفا في تاريخ النضال الفلسطيني.. من هي الحركة التي تقود المقاومة؟

تزامنا مع انطلاق عملية طوفان الأقصى وإعلان المقاومة استمرار الاشتباك مع العدو بعد النيل من فرقة غزة التابعة لقوات الاحتلال والمسؤولة عن حصار القطاع وتأمين الكيان في ما يسمّى بالغلاف، تصاعد الحديث عن تاريخ حركة عزالدين القسّام التي تقود الهجوم.

وكثّف المتابعون لعملية “طوفان الأقصى” بحثهم عن الحركة وتاريخ نشأتها ودورها في خريطة الصراع القائمة مع الاحتلال الإسرائيلي، وكذلك عن هوية قائدها أبو عبيدة الذي يعدّ واحدا من أبرز الشخصيات المؤثّرة.

كتائب القسّام
هم مقاومون تابعون لمجموعة مدرّبة ومسلّحة تحت اسم كتائب الشهيد عز الدين القسّام، وهي الجناح العسكري الجهادي لحركة المقاومة الإسلامية “حماس” تعمل على دحر العدوان الإسرائيلي، وتهدف إلى تحرير البلاد من سلطة الاحتلال التي تغتصب الأرض منذ 1948 وتأسيس دولة فلسطين.

وتؤكّد الكتائب -أدبياتها وتعريفها- أنّها امتداد لحركة التحرّر الوطني التي انطلقت منذ حطّ الاحتلال قدمه على الأرض المقدّسة، وتكرّس طاقاتها لتعبئة الجماهير من أجل استمرار النضال والجهاد ضد الكيان الغاصب الذي يستمر في انتهاكاته تجاه المدنيين العزّل والمقدّسات.

فعليّا، تأسست كتائب القسّام عام 1984 واتّخذت من غزة مقرا رئيسيّا لنشاطها، وذلك قبل إعلان انطلاق حركة “حماس”، وكانت تنشط تحت اسم “المجاهدون الفلسطينيون”.
يُعدّ الشهيد صلاح شحادة هو المؤسس وأطلق عليها اسم “كتائب القسّام” عام 1991، وسُميت بهذا الاسم نسبةً إلى المجاهد السوري عز الدين القسّام الذي استُشهد عام 1935 في أحراش يعبد بالقرب من جنين في مواجهة مع القوات الإنجليزية.

تاريخيّا، تعود جذور الحركة إلى ما قبل نكبة 1948 على اعتبار أنّها كانت وليدة بداية الوعي في الثلاثينات بضرورة تغيير منهج النضال والتخلّص من أشكال التمرّدات غير المنظمة، التي أثبتت فشلها في مواجهة الكيان المدعوم من الخارج.
في تلك الفترة، برز اسم عزالدين القسّام، وظهرت في فلسطين أشكال جديدة من المقاومة تقوم على التنظيم والتدريب والتنسيق، وهي طرق جديدة لم تعهدها المقاومة قبل ذلك.

نضال مسلّح
شكّل الشيخ عز الدين القسّام جماعات سرية مدرّبة ليكون رائد الكفاح المسلّح في الحركة الوطنية الفلسطينية.
وُلد عز الدين القسام في قرية جبلة السورية بجوار اللاذقية عام 1871، وتلقّى العلم على يد الإمام محمد عبده في الأزهر ثم عاد إلى سوريا مدرّسا. 

حكم عليه الديوان العرفي في اللاذقية بالإعدام لاشتراكه في مقاومة الفرنسيين فاضطر إلى اللجوء إلى حيفا عام 1922 في شهر، وتولّى التدريس في جامع النصر بالمدينة، كما عمل مدرّسا في المدرسة الإسلامية بحيفا.

عيّنه المجلس الإسلامي الأعلى خطيبا لجامع الاستقلال، ما وفّر له صيغة للاتصال بالجماهير ثم أصبح رئيسا لـ”جمعية الشبان المسلمين”.

أنشأ القسّام عدّة سنوات عصبة سرية لها شرطان؛ أن يقتني العضو السلاح على حسابه الخاص، وأن يتبرّع للعصبة بما يستطيع.

وأحاط القسّام تشكيل هذه المنظمة السرية بإطار كثيف من الكتمان، ولذا فإنّه من الصعب تقديم معلومات وفيرة عن هذه المنظمة، وهذا الأمر مازال ساريا إلى الآن وتعمل وفقه الكتائب.

توسّعت نواة الحركة الثورية في فلسطين شيئا فشيئا، وشكّل القسّام من أفراد المنظمة حلقات صغيرة، كل منها رقيب وخمسة أفراد ولم تكن أيّ حلقة تعرف شيئا عن الحلقات الأخرى.

كما شكّل أيضا مجموعات أخرى للتدريب ولجباية الأموال والاتصال السياسي والشعبي وشراء السلاح وأخرى للتجسّس.

بعد تزايد تدفّق الهجرة اليهودية وتسليح الصهاينة من قبل بريطانيا، بدأ القسّام عمله العسكري الذي تمثّل بادئ الأمر في الضربات الخاطفة؛ ومن ثم تطوّر إلى العمل العسكري ضد المستعمرات الصهيونية والدوريات البريطانية، ما أشاع الذعر في الأوساط الصهيونية والإنجليزية لعدم معرفتهم أصحاب هذه الأعمال.

وما لبث القسّام وجماعته أن قرّروا القيام بالثورة علنا لرفع معنويات الجماهير، وإبراز أهداف الثورة وإحباط الدعاية المضادة.

عقد اجتماع في بيت محمود سالم المخزومي في 12 ديسمبر 1935، وعلى إثره توجّه الثوار إلى الجبال وأحراج يعبد، وتسلّل عدد كبير منهم إلى حيفا لمساندة الهجوم من هناك.

علم الإنجليز بوجود القسّاميين في تلك المنطقة فأرسلوا قوات كبيرة وحاصروا الأحراج، وحدثت عدة صدامات بين طلائع الرصد القسّامية وطلائع القوات البريطانية قُتل خلالها جندي بريطاني وبعض رجال الشرطة؛ فأمر المسؤولون البريطانيون بمهاجمة الأحراج.

وفي 20 ديسمبر 1935، وقعت المعركة الكبرى قُتل فيها عدد كبير من رجال القوات البريطانية، واستشهد الشيخ عز الدين القسّام، واستطاع من تبقّى اختراق الحصار ووصلوا إلى الشمال الفلسطيني وهم يحملون جثة قائدهم الشهيد إلى حيفا. 

نُعي الشيخ وأصحابه من مآذن المساجد وعلى رأسها المسجد الأقصى، وصلّى الناس عليهم في كل مكان صلاة الغائب، وسار كوكب الجنازة مجلّلا بالأعلام السورية والمصرية والعراقية واليمنية والسعودية ودُفن القسّام في مقبرة الياجور قرب بلد الشيخ التي تبعد عن حيفا 7 كم.

وزنها في خريطة الصراع

مع مرور الوقت، ظهرت كتائب القسّام كأكبر الفصائل الفلسطينية الحاضرة على أرض الميدان وأقواها، وذلك لقدرتها على التطوّر والتجديد وفهم تكتيكات العدو الإسرائيلي من خلال الهجمات التي تنفّذها ضدّه.


 هذا التطوّر لم يكن على مستوى إدارة المعارك كالعمليات التي تقودها (هجمات برية اختطاف جنود استهداف آليات)، بل شمل قدرتها على التصنيع واعتماد تكنولوجيا الصواريخ مثل “القسّام 1″ و”القسّام 2″ و”القسّام 3” والطائرات المسيّرة (زواري) التي أشرف على تطويرها الشهيد التونسي محمد الزواري.

وإضافة إلى عملية طوفان الأقصى التي تقودها الآن ضد الاحتلال، شاركت كتائب القسّام في انتفاضة الأقصى الثانية 2000-2005، وقادت ردّ المقاومة على هجوم الاحتلال (الرصاص المصبوب) الذي استهدف قطاع غزة في 2008-2009 وأطلقت “معركة الفرقان”.

وفي 2014، كانت كتائب القسّام في مقدّمة المقاومة الفلسطينية للردّ على عملية “الجرف الصامد” التي أطلقها الكيان وأطلقت على هجومها المضاد اسم “العصف المأكول”.

ويُقدّر عدد منتسبي كتائب القسّام بالآلاف، وفي تصريح يعود إلى 2012 أكّد الناطق باسم كتائب القسّام أبو عبيدة أنّ عدد الجنود يتجاوز عشرين ألفا، وأنّ الفصيل المقاوم يعتمد على قوات أكبر من ذلك وتعمل في جميع أنحاء فلسطين.

قادتها:
– صلاح شحادة، تولّى قيادة الجهاز العسكري الأول لكتائب القسّام حتى اغتياله على يد الاحتلال الإسرائيلي في جويلية 2002 بغارة جوية في حي الدرج في قطاع غزة.

– يحيى عياش، وهو مهندس بارع في صناعة المتفجّرات قاد عمليات هجومية أرقت العدو الذي كان وراء عملية اغتياله في يوم 5 جانفي 1996 عن طريق تفجير هاتف نقال.

– أحمد الجعبري، استُشهد في نوفمبر 2012 نتيجة غارة إسرائيلية على سيارته.

– محمد الضيف، يعدّ المطلوب رقم واحد من الاحتلال الإسرائيلي، إذ يعتبره مهندس العمليات العسكرية التي تقودها المقاومة ضدّه.

يتمتّع الضيف باحترام واسع محليّا وعربيّا باعتباره مهندس الهجوم الأخير الذي سيخلد في ذاكرة المقاومة الفلسطينية.
يعدّ الضيف (كثير التنقّل ولا يبقى في مكان واحد) من بين آخر الوجوه البارزة للمقاومة الفلسطينية على قيد الحياة، وذلك بعد نجاته من محاولات اغتيال كثيرة من بينها قصف استهدف حي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة.

توقّع الاحتلال أن تنطفئ جذوة النضال والمقاومة في فلسطين بالقضاء على الشيخ القسّام، لكن الـ88 عاما التي أعقبت استشهاده أثبتت أنّه مهّد لتأسيس تاريخ جديد من المقاومة الفلسطينية لكن بأسماء جديدة كأبي عبيدة.
يتبع