أبو القاسم الشابي… شاعر الرومنطيقيّة المتمرّد
tunigate post cover
ثقافة

أبو القاسم الشابي… شاعر الرومنطيقيّة المتمرّد

اليوم 9 أكتوبر/تشرين الأول تُحيي تونس الذكرى الـ88 لرحيل شاعرها "الخالد" أبو القاسم الشابي
2022-10-09 15:04

نسرين اليوسفي

وُلد أبو القاسم الشابي في الرابع والعشرين من شهر فيفري/فبراير عام 1909 في محافظة توزر (جنوب شرق تونس). وتميّز بأشعاره الرومانسية المتمرّدة. ويعتبر من أشهر الشعراء الذين نالوا مكانة كبيرة في الأدب العربي.

الأسرة… المدرسة الأولى للعلوم

نشأ الشابي في أسرة مثقفة، إذ تلقّى علومه على يد والده محمد الشابي، الذي درس في جامعة الزيتونة ثم التحق بجامع الأزهر بالقاهرة عام 1901. وعاد فيما بعد إلى تونس وعُيّن قاضيا. 

وقضى حياته الوظيفية متنقّلا بين مختلف المدن التونسية، ورافقه ابنه أبو القاسم الشابي في مختلف تنقّلاته، ممّا أكسبه معرفة واسعة بالكثير من الأماكن التي ألهمته في كتاباته.

وتلقّى الشابي تعليمه الابتدائي في الكتاتيب القرآنية في محافظة قابس جنوب البلاد التونسية. وتميّز بذاكرة قوية مكّنته من حفظ القرآن وهو في سنّ التاسعة.

كما تعلّم أصول اللغة العربية والدّين من والده الذي تأثّر به كثيرا، إذ قال عنه: “أفهمني معاني الرحمة والحنان، وعلّمني أنّ الحق خير ما في هذا العالم، وأقدس ما في هذا الوجود”.

رفض السائد ودعوة إلى التّجديد

التحق أبو القاسم الشابي في عام 1920 بجامعة الزيتونة التي تُعدّ من أعرق الجامعات العربية، حيث نهل من شتّى العلوم وأصنافها. وكان شغوفا جدّا بالمطالعة والغوص في أعماق الكتب، فلم يكتف بالدروس التي كان يتلقّاها، وسعى دائما إلى توسيع معارفه من خلال ارتياد مكتبتي “قدماء الصادقية” و”الخلدونية”، حيث تشبّع بأصول الأدب العربي قديمه وحديثه، وانفتح على بقية الثقافات الأخرى من خلال مطالعته الأدبين الأوروبي والأمريكي. 

درس الحقوق في مدرسة الحقوق التونسية وتخرّج منها عام 1930، ثمّ برزت موهبته الشعرية، فكان غالبا ما يرتاد المجالس الأدبية والمنتديات الفكرية ويُجالس كبار الأدباء التونسيين، وانضمّ إلى النادي الأدبي: قدماء الصادقية، حيث بدأ يتلمّس طريقه إلى عالم الشعر، ويُلقي محاضراته الأدبية.

وكانت أول محاضرة في حياته الأدبية في مكتبة الخلدونية عن “الخيال الشعري عند العرب”. استعرض فيها إنتاج العرب من الشعر في مختلف البلدان وفي كل الأزمنة. وإثر هذه المحاضرة أصبح كاتبا في جمعية الشباب المسلمين التي كانت قد أُسّست حديثا.

نادى بتحرير الشعر العربي من رواسب الصورة النمطية القديمة، ودعا إلى الانفتاح على الفكر والخيال الغربي المتجدّد، وتجاوز السائد والمألوف. لكنّه تلقّى عديد الانتقادات من قبل الأدباء المُحافظين الذين دعوا إلى مقاطعته بسبب اقتدائه بأعلام الغرب في الفكر والخيال وانتقاده أصحاب العقلية الثقافية والسياسية الجامدة والرّافضة للتحرّر والانفتاح، ممّا أثّر فيه بطريقة سلبيّة ظهرت جليا في أشعاره.

تأثّر بالرومنطيقيّة وشعراء المهجر

تأثّر الشابي بالرومنطيقيّة وشعراء المهجر نذكر من أبرزهم جبران خليل جبران الذي وصفه الشابي بـ”العبقريّ والفنان الخالد”، وإيليا أبو ماضي، بالإضافة إلى أدباء الشعر العربي القديم مثل أبي العلاء المعريّ وجميل بُثينة، وانفتح فكره أيضا على أدباء الغرب منهم يوهان غوته وألفونس دو لامرتين وغيرهم الكثير.

تميّز الشابي بانفتاحه على مختلف المدراس الشعرية، وبتفرّده؛ فقد كان شِعره جامعا بين التمرّد والتصوّف في الوقت ذاته، كما امتزج فيه الوطنيّ بالعاطفيّ وبالخيال المُصاحب للصور الفنية الغنيّة بالمعاني، فكان سببا في إعادة إحياء هذا النّمط الشعري في التُراث العربي.

ومن خلال شعره نقل إلى الأجيال اللاحقة الجانب الإنساني الذي كان يتحلّى به، وحبّه للحياة وعشقه لوطنه الكبير، إذ كان شاعرا وجدانيا عميق الإحساس، حالما ومنفتح الفكر، فما كان شِعره إلّا وسيلة ينقل بها أحزان بلده وقضاياه.

مسار أدبيّ متفرّد

حاكى الشابي من خلال قصائده مواضيع متنوّعة زاوجت بين الطبيعة والغزل والوطنيات. واتّسم بنزعته الرومنطيقيّة، فجمعت أشعاره بين صور الطبيعة ودهاء السياسة، وبين روحانيات التصوّف والصراع المادي، وبين الرومنطيقيّة والوطنية، وأيضا بين الشاعر الوطني المُرهف والحزين أحيانا. 

ونشرت له مجلة “أبولو” بالقاهرة المصرية عددا من قصائده. وساهمت في شهرته في المجال الأدبي في كامل المشرق العربي.

وأنتج أعمالا أدبية مهمة بقيت راسخة في الذاكرة العربية، من أشهرها ديوان “أغاني الحياة” الذي ضمّ مجموعة من قصائده  لعلّ أهمّها قصيدة “لحن الحياة” التي تضمّنت البيت الشهير “إذا الشعب يوما أراد الحياة… فلابدّ أن يستجيب القدر”. وهو جزء من النشيد الوطني التونسي.

إضافة إلى مُؤلّفه “الخيال الشعري عند العرب”، المستوحى من محاضرة ألقاها في المدرسة الخلدونية، وتناولت مضامين الخيال في ذاكرة التراث الشعري عند العرب ونشأة الخيال في أوّل الفكر البشري. كما كتب جزءا من مذكّراته، والعديد من القصائد والمقالات الأدبية ونشرها في العديد من المجلات.

ومن هناك أصبح من أعظم الشعراء العرب في القرن العشرين. وأُدرج شعره في البرامج المدرسية والجامعية. 

وفي التاسع من شهر أكتوبر/تشرين الأول رحل أبو القاسم الشابي عن عمر ناهز الـ25 عاما بعد صراع مرير مع مرض في القلب وحُزن عميق على فراق والده.

أبو_القاسم_الشابي#
تونس#
مشاهير#

عناوين أخرى